المناصب تنتهي والعلاقات تبقى
في كل مشروع ستغادر يومًا ما — أما طريقة تعاملك مع الناس فستبقى أطول بكثير مما تتوقع.
في أحد المشاريع الاستشارية، انضمت إلينا من جهة العميل متدربتان سعوديتان. كانت مسؤوليتنا تشمل تعليمهما، ونقل المعرفة إليهما، ومساعدتهما على فهم المشروع. تعامل بعض المستشارين معهما على أساس أن دورهما تدريبي ومحدود، وركزوا وقتهم على أصحاب القرار في ذلك الوقت.
بالنسبة لي، كان نجاحنا كمستشارين يشمل تسليم المشروع وبناء قدرات تستطيع الجهة الاعتماد عليها بعد خروجنا. لذلك تعاملت معهما كجزء مهم من فريق العميل، وحددت مخرجات واضحة ألتزم بها تجاههما. أشركتهما في النقاش، وشرحت لهما خلفيات القرارات، ووضحت ما نتوقعه منهما، واستمعت إلى أسئلتهما كما أفعل مع بقية أصحاب المصلحة.
بعد أشهر، حدثت تغييرات إدارية كبيرة عند العميل. غادر عدد من المسؤولين، وأصبحت المتدربتان من أصحاب القرار في المشروع، وحصلتا على صلاحية التوقيع على التسليم. عندها ظهرت قيمة إشراكهما منذ البداية.
القراءة السطحية للقصة تقول: احترم الصغير لأنه قد يكبر يومًا ما.
أما القراءة التي أؤمن بها فهي أعمق: احترم كل من تتعامل معه. جودة قيادتك تظهر في طريقة تعاملك مع الجميع، بصرف النظر عن مناصبهم وصلاحياتهم الحالية.
دعم الكفاءات الوطنية مسؤولية أساسية
نتحدث كثيرًا عن دعم الكفاءات الوطنية ونقل المعرفة. وجاء لاحقًا برنامج تنمية القدرات البشرية ضمن رؤية السعودية 2030 ليجعل هذا التوجه جزءًا أساسيًا من طموحنا الوطني.
الاختبار الحقيقي لهذا التوجه يحدث داخل المشاريع. يبدأ حين نمنح الشباب فرصة حقيقية للفهم والمشاركة، ونسند إليهم مسؤوليات واضحة، ونفتح لهم مساحة للتجربة واتخاذ القرار. الموهبة تنمو بالمشاركة. تحتاج إلى سياق يساعدها على فهم القرارات، وتوقعات واضحة توجه عملها، وقائد يستثمر وقته في تطويرها.
وتطوير المواهب مسؤولية يقودها القادة والمدراء، كما توضح هارفارد بزنس ريفيو العربية. حضور القائد في رحلة التطوير يمنحها وزنًا، ويحولها إلى جزء من العمل اليومي.
في العمل الاستشاري وفي المشاريع عمومًا، تمتد مسؤوليتنا من تقديم التوصيات إلى بناء القدرة على تنفيذها. وتؤكد الأدبيات الكلاسيكية في هذا المجال أن الاستشارات تتجاوز تقديم النصيحة.
المستشار الجيد يترك خلفه جهة أقوى، وفريقًا أكثر قدرة على اتخاذ القرار، ومعرفة تستمر بعد انتهاء المشروع.
وهذا جزء من أسلوب قيادي أتبناه منذ سنوات، وهو القيادة الخادمة: أن تقيس أثر قيادتك بعدد الأشخاص الذين أصبحوا أقوى بسبب عملهم معك.
إدارة أصحاب المصلحة تبدأ بفهمهم
عندما نتحدث عن «بناء العلاقات» أو «إدارة أصحاب المصلحة»، تبدأ الخريطة عادة بمجموعة من الأسئلة:
- من يملك القرار؟
- من يستطيع فتح الباب؟
- من يؤثر في النتيجة؟
- من يملك المعرفة؟
- من يسهّل التنفيذ؟
- ومن سيتولى المسؤولية بعد التسليم؟
هذه الأسئلة تساعدنا على فهم المشروع. وتزداد قيمة الخريطة حين تشمل احتياجات كل طرف وتوقعاته ودوره في نجاح العمل.
تبدأ إدارة أصحاب المصلحة بفهم توقعاتهم، ثم توضيح حدود العمل، والمحافظة على تدفق المعلومات، وإشراك الأطراف المعنية في الوقت المناسب.
العلاقة المهنية العميقة تُبنى من:
- جودة التعامل في كل مرحلة.
- الوفاء بالوعود الصغيرة.
- نقل المعرفة بهدوء.
- إدارة التوقعات بوضوح. (شعارك لا للمفاجآت)
- الاختلاف باحترام. (الاختلاف في العمل والصداقة للانسان)
- إنهاء العمل مع بقاء التقدير.
تراكم هذه السلوكيات يعطيك رصيدًا مهنيًا وإنسانيًا يستمر سنوات.
السلطة مرحلة مؤقتة
المسميات تساعدنا على تحديد الأدوار:
- هذا عميل.
- ذاك مورد.
- هذه متدربة.
- وهذا مدير.
ثم تتحرك الحياة. ينتقل الناس، وتُعاد هيكلة الجهات، ويصبح المتدرب مسؤولًا، والموظف عميلًا، والمؤسس مستثمرًا أو شريكًا أو منافسًا. صاحب المعيار الثابت يحافظ على جودة تعامله مع الجميع. ومع تغير الأدوار، تبقى علاقاته واضحة ومفهومة.
وهنا تظهر قيمة القيادة الخادمة. القائد يستخدم خبرته وصلاحياته لإزالة العوائق، وتوضيح الاتجاه، ومساعدة الآخرين على النجاح. هيبة القائد تنمو من أثره في الناس، وتستمر بعد انتهاء منصبه.
إدارة التوقعات شكل من أشكال الاحترام
العلاقات المهنية القوية تنمو من توقعات واضحة:
- وعد واقعي.
- موعد تسليم محدد.
- تحديث مبكر عند تغير الظروف.
- شرح واضح لأي تغيير في النطاق.
- مشاركة الأطراف المعنية قبل اتخاذ القرار.
- لا للمفاجآت
لهذا يُعد وضع التوقعات وإدارتها من أهم مهارات قيادة المشاريع. إدارة التوقعات تعني أن تكون واضحًا منذ البداية: ماذا سنقدم؟ ماذا نحتاج من الطرف الآخر؟ ما المخاطر؟ ومتى نعيد التقييم؟
قد يكون الخبر صعبًا، ويبقى الوضوح أساس الثقة. عندما تتطابق كلماتك مع أفعالك، يعرف الطرف الآخر كيف يعمل معك ويخطط بناءً على التزاماتك. حتى الرفض يصبح مهنيًا ومحترمًا عندما يأتي مبكرًا، وبصياغة واضحة، وسبب مفهوم.
الحزم يحفظ العلاقة
الحفاظ على العلاقات يشمل القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة وإدارة الأداء بوضوح.
يمكنك أن:
- ترفض طلبًا.
- تحاسب على نتيجة.
- تعيد تحديد نطاق العمل.
- تنهي عقدًا.
- تختلف في قرار.
- تغادر شراكة.
وفي كل هذه الحالات، تستطيع حفظ كرامة الطرف الآخر، والفصل بين المشكلة وقيمة الإنسان. الحزم يحمي العلاقة عندما يوضح المسؤوليات والتوقعات. والوضوح والاتساق والاحترام تمنح القرارات الصعبة إطارًا مهنيًا وعادلًا. قد يخرج الطرف الآخر من الاجتماع متأثرًا بالقرار، وفي الوقت نفسه يدرك أنك كنت واضحًا وعادلًا. هذه نتيجة تحافظ على الاحترام وتفتح المجال لعلاقة مستقبلية ناضجة.
المعرفة تتحرك عبر الثقة
في المؤسسات، العلاقات قيمة إنسانية وشبكة تتحرك عبرها المعرفة.
الموظف يسأل زميلًا يثق به قبل رفع المشكلة رسميًا. والمتدرب يطرح أسئلته حين يشعر بالأمان. والجهة تتصل بقائد تثق بحكمه عندما تواجه موقفًا جديدًا. والفريق يطلب المساعدة مبكرًا عندما يعرف أن السؤال محل تقدير.
لهذا يمثل الأمان النفسي عنصرًا أساسيًا في الفرق عالية الأداء. فهو يمنح الأفراد مساحة لطرح الأسئلة، والاعتراف بالأخطاء، والتنبيه إلى المشكلات في مراحلها المبكرة.
الثقة العالية تختصر الاجتماعات والموافقات، وتسرّع تبادل المعرفة، وتمنح الفرق قدرة أكبر على التنسيق.
كما يتعزز نقل المعرفة عندما تبني المؤسسة ثقافة وأنظمة تشجع الخبراء على مشاركة خبراتهم وتطوير زملائهم.
أفضل المؤسسات تجمع بين الثقة والقواعد الواضحة. العلاقة الجيدة تدعم النظام، والنظام الجيد يحمي العلاقة.
ماذا يبقى بعد المشروع؟
كل مشروع سينتهي. وكل منصب سيتغير. وحتى الشركات قد تندمج أو تغلق أو تعيد تعريف نفسها.
ما يبقى مع الإنسان:
- سمعته في الوفاء.
- الأشخاص الذين تعلم منهم وساعدهم على التعلم.
- الكفاءات التي منحها فرصة حقيقية.
- الطريقة التي أدار بها التوقعات في الأوقات الصعبة.
- الأثر الذي تركه في الناس أثناء الضغط.
- وشبكة تستطيع أن تقول عنه: اختلفنا معه، وكان منصفا وعادلًا.
وقد وجدت دراسة امتدت لعشر سنوات أن القادة الأكثر تميزًا يحققون النتائج، ويبنون علاقات وطيدة تقوم على الثقة المتبادلة، ويبدون اهتمامًا حقيقيًا بمن يحققون هذه النتائج معهم.
هذا هو معيار القيادة: أن تحقق النتيجة، وتبني القدرات، وتحفظ كرامة الناس، وتترك خلفك علاقات قائمة على الثقة والاحترام.
اعمل بجد. كن حازمًا. أدر أصحاب المصلحة باحتراف. احمِ النتيجة، وأدر التوقعات بوضوح. عامل الناس باعتبارهم شركاء في الرحلة وأصحاب أثر يمتد إلى ما بعد المشروع.
المشروع سينتهي. والمنصب سيتغير.
أما أثر الطريقة التي تعاملت بها مع الناس، فسيبقى أطول بكثير مما تتوقع.

